Via : hibapress

اس. بويعقوبي – هبة بريس

في المجال التربوي يصعب الحديث عن الفشل بشكل مطلق ، لكن واقع التعليم بالمغرب يفرض بالحاح حلحلة “الآفة” لتبيان الصعوبات والاكراهات التي تواجه الاصلاح التربوي المأمول لاعتبارات ذاتية وأخرى موضوعية ، سيما وأنه لم يحقق الأهداف التي سطرت له .

وبرجوعنا الى مسار الاصلاح التربوي الحديث ، ومع صدور الميثاق الوطني للتربية والتكوين ، ساد تفاؤل كبير في أوساط جل الفاعلين التربويين والسياسيين والشركاء الاجتماعيين الذين منوا النفس باصلاح جذري ومرحلة جديدة في التعاطي مع الشأن التربوي ، باعتباره ء أي الميثاق الوطني للتربية والتكوين ء مشروعا تغييريا أتى في سياقه السياسي والاجتماعي والاداري ، ومرجعية موجهة ومؤطرة للاصلاح التربوي ، إلا أنه لم يحقق الأهداف المنشودة طيلة العشرية المخصصة له ، ليتم الانكباب على وضع خارطة طريق جديدة لاستكمال (الاصلاح) من خلال “البرنامج الاستعجالي ” الذي هدف الى تدارك التعثر وتسريع وتيرة الاصلاح ، عبر التركيز على تنويع المستويات البيداغوجية والتدبيرية والمالية والحكماتية والتجهيزاتية ، لكن بالرغم من ذلك أُعلن فشل هذا الاصلاح ، الذي لم يستطع تحقيق آمال المغاربة وارساء نموذج مدرسة مغربية جذيرة بثقة المجتمع ، ليتم الاعلان عن اصلاح جديد أطلق عليه اسم “الرؤية الاستراتيجية (2015ء 2030) ..فأين الخلل ؟

كرونولجيا الاصلاح .

مرت المنظومة المغربية للتربية والتكوين بالعديد من محطات الإصلاح التي باءت أغلبها بالفشل، ما فرض على المسؤولين بعد كل محطة تدارك الأزمات بالبحث عن طرق مختلفة وأساليب جديدة ، وهو ماجسدته عدد من المحاولات في تاريخ اصلاح التعليم ببلادنا والتي أخذت منحى التناظر (مناظرة المعمورة أبريل 1964 ) أو عن طريق برامج استعجالية كما هو الشأن بالنسبة للبرنامج الاستعجالي (2009ء2012) ، وهي معظمها محاولات تم اعدادها في غياب تام لتشخيص مسبق لأسباب الفشل ودون تقييم نتائج المحطات السابقة ، بدأ باصلاح “المذهب التعليمي ” سنة 1957، ومرورا باصلاح المرافق للمخطط الخماسي 1960/1964 ثم محطة المذهب التعليمي الجديد المنسوب لوزير التعليم الدكتور بنهيمة 1966، ثم الاصلاح ً المرغم ً او ُالرسمي ً الذي انطلق سنة 1985 في اطار سياسة التقويم الهيكلي منذ 1983، إضافة إلى الميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي انطلق سنة 2000 ثم البرنامج الاستعجالي 2009/ 2012  الذي استهدف تدارك نقائص وتعثرات الترجمة العملية لبنود الميثاق على أرض الواقع ، وأخيرا الوصول إلى محطة الرؤية الاستراتيجية 2015/2030 بعد التأكيد على الموت السريري للتعليم بالمغرب ، هاته الرؤية اتخذت كشعار لها ” من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء” ويضاف له أيضا شعار ” من أجل مدرسة الإنصاف وتكافؤ الفرص”. فإلى أي حد ينسجم مضمون الرؤية مع هاته الشعارات؟

اختلالات ستة كبرى

يمكن رصد أهم الإكراهات و تمظهرات هذه الاختلالات عبر ستة مستويات ، أولها علاقة منظومة التربية والتكوين بسوق الشغل حيث أضحت الجامعات فضاء لانتاج البطالة أمام صعوبة الولوج لسوق الشغل ومحدودية الفرص النظامية التي يتيحها النسيج السوسيو اقتصادي ، إذ لا تزال إشكالية بطالة خريجي الجامعات والمعاهد مطروحة بإلحاح شديد، في ظل مخرجات فاقدة في أغلب الأحيان للمبادرة والإبداع والثقة في الذات، مما يدفع الدولة لإعادة تأهيل هؤلاء الخريجين عبر دورات تكوينية لتسهيل ولوجهم لسوق الشغل. بالإضافة لمحدودية الفرص النظامية التي يتيحها النسيج السوسيواقتصادي، وثانيها خلل على مستوى تجسيد الاصلاح التربوي الذي تمثله رزنامة المشاريع التربوية المفتقرة للواقعية والتشاراكة والتكامل وفي ظل الاكراهات البشرية

أما الخلل الثالث فيتجلى في آليات اشتغال المؤسسة التعليمية التي تنزع نحو منطق الدوائر المغلقة التي عمقت الهوة بين المواد المدرسة وتباعد المكونات المشاركة في العملية التعليمية التعلمية ، ما أضعف فرص التعاون والتنسيق وأنتج مدرسة منغلقة عن نفسها ، ناهيك عن تقاطع المصالح بين الفاعلين التربويين والاقتصاديين الذي يشكل خللا رابعا تجلت تمظهراته في تضييق مساحات التكامل والتعاون بين مختلف شركاء المنظومة التربوية.

خامسا ، يتفق المهتمون بالشأن التربوي أن عنصر المعارف والمعلومات النظرية هو الغالب في المناهج التعليمية على حساب التعلمات المرتكزة على المهارات الأداتية والاتجاهات والكفايات الحيايتة ، في حين يبقى اهمال حافزية التلميذ اختلالا سادسا يستوجب وقفة تأمل أمام تعلمات أضحت تقاس بدرجة وظيفيتها ونفعيتها مايؤثر سلبا على عطاء التلميذ وحافزيته .

تعدد المرجعيات أثر على الاصلاح

يقِف تعدد المرجعيات عائقا أمامَ إصلاح شامل ومتين  يخرج بالتعليمِ المغربي من أزمته الخانقة، التي يتخبط فيها ، حيث تسعى المرجعية الاسلامية الى الدفاع عن القيم الاسلامية الراسخة من داخل المقررات بدعوى تجسيدها قيم المغاربة والاستفادة من تجارب الآخرين وتطويعها مع البيئة المغربية ، في حين تعمل المرجعية العلمانية الحداثية جاهدة الى الالتصاق بالغرب كقدوة انطلاقا من القيم الكونية لحقوق الانسان ، فيما تعتبر المرجعية الليبرالية المدرسة مجالا لانتاج السلع ، من خلال مقاربات بالكفايات استلهمت من مجال المقاولة لتنزيلها في الشأن البيداغوجي .

الصراعات الايديولوجية في مجال الاصلاح التربوي أخذت تمظهرات عديدة ، كما هو الشأن بالنسبة للمدافعين عن التدريس باللغة العربية والأمازيغية والدارجة والفرنسية والانجليزية ، وهي نظريات متباينة يختلف تطبيقها من بلد إلى آخر تبعًا للنظام الاقتصادي والسياسي السائد ، فعلاقة المغرب بفرنسا واملاأت البنك الدولي جعلته مجبرا على الانخراط في اصلاح تعليمي وفق مقاس بيداغوجيا تمثل تبعية سيكولوجية وثقافية للغرب مست بالنموذج المغربي وجعلته مرهونا بتجارب ومخططات فاشلة .

 من أين سنبدأ اصلاح منظومة التربية والتكوين ؟

شكل الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى الستون لثورة الملك والشعب ، إعادة للنقاش حول المسألة التربوية والتكوينية ببلادنا ، حيث اعتبر من لدن الفاعلين والمهتمين بالشان التربوي كخارطة طريق وطنية لاصآح منظومة التربية ، والذي شخص فيه الملك الوضعية الراهنة لقطاع التعليم ، تشخيصا “قاسيا” بقوله : ” أن ما يحز في النفس أن الوضع الحالي للتعليم أصبح أكثر سوأ، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل أزيد من عشرين سنة”… وهو الواقع الذي يقتضي وقفة موضوعية لوضع مرتكزات مستقبلية قد تساهم في اصلاح مستقبلي حقيقي بإعادة النظر في مقاربات الاشتغال المعتمدة في الإصلاحات المتعاقبة على منظومة التربية والتكوين والتي أثبتت التجربة محدوديتها ، وذلك عبر ابتكار منهجيات حديثة، واستعمال أدوات وآليات اشتغال متطورة وعن طريق كذلك ترسيخ ممارسات تربوية وتدبيرية جديدة، تروم إنجاز الإصلاحات الضرورية و تحقيق النتائج المرجوة . ولن يتأتى ذلك إلا من  خلال إعمال المقاربة التربوية الشاملة التي تعتمد الحلول التربوية و البيداغوجية والتكوينية لمعالجة الإختلالات الأساسية للمنظومة التربوية والعمل على تجاوز المنطق التقني الصرف الذي يرتكز على التدبير التقنوقراطي للشأن التربوي والتكويني ، إلى منطق يروم استحضار ما هو نوعي، ويركز بالأساس على جودة وملاءمة المحتوى و المضامين وعلى فعالية و نجاعة أداء ومردودية المنظومة التربوية.

المجموع 1 آراء

1

0

هل أعجبك الموضوع !

اترك تعليقا