Via aljazeera

تكتسي الجولة في قلب مدينة مراكش رفقة الفنان التشكيلي أحمد بن إسماعيل نكهة خاصة، حيث تنكشف للزائر هوية المدينة التاريخية لتطغى على الصورة السياحية التي تختزلها في ساحة جامع « الفنا » الشهيرة وقليل من الأزقة السياحية.

تنطلق الجولة مع بن إسماعيل في مسار تاريخي سياحي، بالذهاب باتجاه مسجد الكتبية وجامع الفنا ومقبرة « سبعة رجال » (علماء ومتصوفون دفنوا بمراكش)، ثم إلى قبر مؤسس المدينة يوسف بن تاشفين المرابطي الذي بناها عام 462 للهجرة/ 1070 للميلاد.

للجواب عن سؤال مصير المدينة العتيقة وأهلها، يفضل أحمد بن إسماعيل أن يأخذ الزائر إلى « دار الشريفة » التي يملكها مغربي وكرسها لخدمة الثقافة المغربية في سياق تطغى فيه الثقافة « الفرانكفونية ».

الكاتب الإسباني خوان غوتيسولو أمام مقهى فرنسا عام 2002 (مواقع التواصل)

رحلة في عالم التصوير
أقام بن إسماعيل عشرين عاما في الدار البيضاء، وفي عام 2005 غادر طوعا وظيفة التعليم ليتفرغ للتصوير والرسم ويعود إلى مراكش. كان متأثرا بارتباطه الوطيد بمراكش العتيقة، بدروبها وأزقتها وهندسة رياضاتها ومنازلها التي ولد فيها أجداده.

كانت الكاميرا تسحر بن إسماعيل عندما يراها معلقة على أعناق السياح في ساحات المدينة، فقام بتدبير المال ليشتري السحر ويجربه في التقاط صور تذكارية لعائلته وأصدقائه.

وتطور السحر بتطور حصوله على راتب محترم من وظيفته في الدار البيضاء، فاشترى كاميرته الاحترافية الأولى ما بين عامي 1982 و1983 من المخرج السينمائي الراحل محمد الركاب، صاحب فيلم « حلاق درب الفقراء ».

تعلم بن إسماعيل على يديه الكثير، « لكن الركاب رحل باكرا » واحتفظ إلى الآن بكاميرا « مينولتا » التي أخذها من الركاب نفسه.

الكاتب والناقد السينمائي حسن نرايس والإعلامي المغربي بواشنطن محمد العلمي والكاتب الراحل محمد شكري بمدينة أصيلة عام 2001 (مواقع التواصل)

التوثيق الفني الثقافي
يستغرق بن إسماعيل اليوم في تشكيل سيرورة الصورة الوثائقية الثقافية والإثنوغرافية لمراكش ونواحيها، وسلك طريقه هذه منذ الثمانينيات عندما أنشأ في غرفة صغيرة بمنزله في الدار البيضاء مختبرا لتحميض الصور، واتبع حيادية الألوان (الأبيض والأسود) و »الثيمة » الثقافية الاجتماعية إلى وقتنا الحاضر.

شكل هذان اللونان مساره، لكن ذلك لا ينفي عمله بالألوان، فقد أقام معرضا فوتوغرافيا بالألوان سنة 1994 تحت عنوان « أثار الليل »، خط حينها مقدمة « بروشور » المعرض الكاتب الإسباني المراكشي الراحل خوان غويتيسولو، ونتج عن هذا المعرض كتاب فني مشترك مع الأديب المغربي الراحل إدمون عمران المليح تحت عنوان « ضوء الظل ».

صمد بن إسماعيل في توثيقه الفوتوغرافي الأدباء المغاربة والعرب والأجانب وبورتريهات للفنانين الموسيقيين ورواد المسرح وأهل الصنائع والفنون الشعبية، مثل فن « الحلقة » بساحة جامع الفنا التي خصص لها ثلاثين عاما، إضافة لشخصيات شعبية تركت بصمتها داخل الأحياء الشعبية لمراكش.

جاء بن إسماعيل من الحقل الثقافي الفني ذاته، فهو فنان تشكيلي أيضا، له لوحاته ومعارضه الخاصة، وعلى مدار هذه السنين ربطته علاقة صداقة بغالبية الشخصيات التي التقط لها البورتريهات « على غفلة، دون وضع معين ».

وارتكزت صورته على عناصر: « الشخص المراد تصويره، والمصور ودرايته بوضع الصورة الأمثل، والإتقان أثناء التقاطها، إضافة لشكل الأشخاص الذي يساهم في نجاح الصورة ».  

الشيخ الحكواتي محماد الأمازيغي في حلقة بساحة جامع الفنا عام 1997 (مواقع التواصل)

مدينة التصوير
يقول بن إسماعيل إن نيته سابقا لم تتمحور حول توثيق مراكش الثقافية، لكن مع مرور الزمن امتلك رصيدا مهما من الصور، خاصة أن الموت خطف عدة مبدعين، فأصبحت المسألة جدية وملحة، ولو تطلبت الانتقال إلى مدن أخرى وبعيدة لالتقاط الصور التي باتت جزءا من الذاكرة المغربية المادية واللامادية كوّن خلالها علاقات إنسانية رائعة.

والحقيقة أن مراكش كمدينة لعبت دورا مهما في ما هو عليه بن إسماعيل اليوم، فمراكش تعتبر « مدينة التصوير والتشكيل والسرد بامتياز من حيث أماكنها وشخوصها وجدرانها وأصواتها وروائحها، إضافة للإضاءة النادرة فيها والتي تجذب سينمائيين عالميين لتصوير أفلامهم »، و »تبقى الصورة ذاكرة الزمن الماضي مبرزة الاهتمام الثقافي في كل الفترات ».

يقول بن إسماعيل للجزيرة نت إن الصورة في هذا السياق تظل « أغنى من الكتابة »، فمهمتها التقاط الزمن، لا وصفه، وقد ساعدته التكنولوجيا في إخراج صوره الأرشيفية وتحويلها من « كليشي السالب » إلى صور رقمية يروجها عبر صفحته على فيسبوك، ويشاركها مع أصدقائه الحقيقيين بعد حصوله على إذن بنشرها.

لوحة للفنان بن إسماعيل تعكس اهتمامه بالفن التشكيلي (مواقع التواصل)

أرشيف متنوع
وراكم بن إسماعيل تجربة طويلة تسمح بنشر كتاب ضخم « يضم الصور التي تخص موضوعا واحدا »، فأرشيفه المتنوع حول الثقافة والإثنوغرافيا يحتوي على صور لساحة جامع الفنا ولفنانيها أصحاب الحلقة على اختلافهم، وقد اشتغل عليها لأكثر من ثلاثين سنة ولا يزال يرصد التحولات الطارئة على الساحة والتي تظهر جليا في الصور.

ولعل هذه الصور تنصف الفنانين الأصليين لهذا الفن ممن رحلوا دون اهتمام، خاصة الشيوخ الحكواتيين الرواة، إضافة إلى تصويره للأسواق الشعبية الأسبوعية خارج المدن، وهو موضوع مستقل بحد ذاته.

لم يتوقف بن إسماعيل هنا، بل صور أغلب المدن المغربية العتيقة، واشتغل على الإنسان والمعمار في الجبال، خاصة جبال الأطلس الكبير. ووثق أيضا أناسا بسطاء غاية في الإبداع والسخرية المراكشية المعروفة عند أهل البهجة، إلا أنه فنان متريث لبعض الوقت بشأن إصدار كتاب، فهو لا يزال يعمل على مشاريعه الإبداعية.

يقضي اليوم بن إسماعيل معظم وقته في مرسمه، يعمل على مشروعه التشكيلي القديم، ويستعد حاليا لتحضير معرض في أحد المعارض الخاصة بمراكش. ولا يعني ذلك أنه متوقف عن تشكيل سيرورته النادرة في المجال الفني والثقافي المغربي، فالكاميرا حاضرة، والرؤية موجودة.

اترك تعليقا